رحلة الاثام منال سلامة
كلمته ربع كلمة
كز على أسنانه في غيظ ووجهه قد تلون بحمرة الڠضب
مسيرك تعرف قيمتي يا فؤاد بيه!
بعد عدة أيام حيث كانت الشمس ساطعة في سماء بلا سحب والنهار شبه رطب تنعكس آثاره على الوجوه السائرة والكادحة تجاوزت كلتاهما إشارة المرور بعدما انتهتا من التجول في محال السوق الشعبي القريب لتتجها بعدئذ إلى عدة محال مصفوفة على ناصية الطريق حيث تقوم بعرض منتجاتها المخفضة في الواجهات الزجاجية من أجل جذب الزبائن لم تترك فردوس محلا إلا ودلفت إليه لتتفقد الأحدث وتبتاع المناسب حملت معظم الحقائب والأكياس عن والدتها واستطردت تخاطبها برنة حماس ظاهرة في صوتها
احنا كده كملنا الفوط والملايات عاوزين نشوف الحاجات الشفتشي بقى يامه خليني أدلع سي بدري
ڼهرتها والدتها بنظرة صارمة من عينيها قبل نبرتها
يا بت اتلمي بلاش مياصة
اعترضت بتذمر وهي تواصل مشيها المتمهل
الله! مش هابقى مراته ومن حقي أبقى ست الحسن في عينيه
أصابت ابنتها
في قولها لذا هزت عقيلة رأسها قليلا وعلقت بشيء من التفهم
لما أقبض الجمعية آخر الشهر ده هننزل ننقي ونشتري
بنفس الصوت المتحمس أضافت فردوس مرة أخرى
وأوضة النوم سي بدري قالي هيستلمها الأسبوع الجاي
على ملامح وجه والدتها ظهر الضيق فعبرت لها عن مخاوفها بصوت شبه مهموم
ربنا يكملها على خير ولو إني مش مستريحة لأقعدتك مع أمه
سألتها باسترابة
ليه بس دي شكلها طيبة أوي وتتحط على الچرح تطيب
لم تحبذ عقيلة أن تظل ابنتها على هذا القدر من السذاجة والحمق ولم ترغب أيضا في إثقال صدرها بالهموم والقلق دون داع لهذا طرحت عنها تفكيرها السوداوي وهمهمت في خفوت
ربنا يخيب ظني
بعد برهة وصلت الاثنتان إلى منطقتهما الشعبية قبل أن يتجاوزا رصيف دكان البقال صاح صاحبه مناديا بصوت مرتفع
يا ست أم تهاني تعالي أوام ليكي مكالمة من برا
توقفت عن المسير وقد اتسعت عيناها في صدمة لحظية لتردد بعدئذ في لوعة
أكيد تهاني!
عاودت أدراجها صائحة في ابنتها وهي تهرول باشتياق
مدي أوام يا فردوس
تركت عقيلة الأكياس عند قدميها وأمسكت بالسماعة لتضعها على أذنها ما إن سمعت صوت ابنتها يأتي من الطرف الآخر حتى لاحقتها بأسئلتها اللهفى المشتاقة إليها
أيوه يا تهاني إزيك يا ضنايا عاملة إيه يا حبيبتي إنتي كويسة ردي عليا وطمنيني
أخبرتها في هدوء
أنا بخير الحمدلله
تنفست والدتها الصعداء فأكملت تهاني كلامها
أخباركم إنتو إيه
احنا كويسين
بالكاد منعت نفسها من ذرف العبرات وهي تعاتبها في حنو أمومي صادق
بقى ينفع تغيبي المدة دي كلها من غير ما تسألي على أمك جالك قلب يا تهاني
أتى ردها عاديا للغاية
مشغولة في الدراسة والمعمل
ومع ذلك ارتضت والدتها بالقليل المحدود منها وأعطتها وافر محبتها بقولها المليء بالتوصيات
خدي بالك من صحتك وكلي كويس واتغطي يا تهاني عشان عضمك يا ضنايا
تكلمت بإيجاز
حاضر
كانت ابنتها على وشك إنهاء المكالمة لكنها هتفت تخبرها بتنهيدة متحمسة
بالحق فردوس أختك اتخطبت
صمتت للحظة وقالت في فتور
مبروك
صاحت بها عقيلة وهي تنقل السماعة من يدها ليد ابنتها
خدي باركيلها بنفسك
أمسكت فردوس بسماعة الهاتف ابتسمت تعابيرها بشكل تلقائي حين استطردت مرددة
ألو أيوه ياختي وحشاني يا حبيبتي
توقعت أن ترد بمودة لكنها فاجأتها عندما خاطبتها بتهكم ساخر للغاية
اتخطبتي بقى لمين عشان أقولك مبروك متقوليش أنا عارفة أكيد يا فران يا ميكانيكي ده إن مكانش آ
انقلبت سحنتها بشدة فما زالت شقيقتها تسير على نفس النهج من الاحتقار والتقليل من شأنها لتشعرها بأنها غير كاملة مثلها تفتقر لأدنى مقومات الجمال الموجودة في الأنثى بصعوبة كتمت حنقها منها وهتفت مقاطعة إياها وهي تضع ابتسامة مزيفة على محياها
الله يبارك فيكي أنا مش سمعاكي الصوت بيقطع
ثم أغلقت السماعة في وجهها لتدعي بعبوس
الخط قطع يامه
اكفهر وجه عقيلة وقالت باستياء
يا خسارة ملحقناش نتكلم مع أختك
انحنت فردوس لتحمل الأكياس والحقائب لتقول بغير مبالاة وقد بدأت بالتحرك خارج دكان البقالة
تبقى تطلبنا تاني بقى لما تفضى
غبية! مش عاملة لنفسها قيمة خالص
ولجت لداخل استقبال المشفى واتجهت صاعدة على سلم الدرج وهي تتكلم
بتبرم ناقم
والله لو جالها شحات لهتوافق هو أنا مش عارفاها
أمسكت بالدرابزين وتابعت حديث نفسها بتأفف أكبر
وطبعا أنا مش محتاجة أخمن هتعيش فين ولا مع مين
سارت في الرواق متجهة إلى الغرفة الخاصة بالمتدربين وهي تقول بازدراء
هي ماتستهلش إلا كده ټدفن نفسها بالحيا عكرت مزاجي على الصبح
مسحت على مقدمة شعرها لتسوي ما نفر من خصلاتها ثم ضيقت ناظريها حين رأت باقة ضخمة من الورد الأحمر تحتل مكتبها تحسست البتلات الزاهية بنعومة وتساءلت في إعجاب واضح
الله لمين الورد ده
أجابت عليها إحدى المتواجدات معها بالحجرة بابتسامة ماكرة
ليكي
قطبت جبينها مندهشة قبل أن ترد
معقولة ليا أنا
تساءلت بصوت شبه مسموع وهي تفتش عن ورقة تدل على هوية مرسله
وده من مين يا ترى
وجدت ضالتها بالأسفل فأمسكت بالورقة الصغيرة بإصبعيها رفعتها إلى مستوى بصرها لتقرأ بلا صوت ما كتب فيها
صباح مشرق بلون الحياة معك
دهشة أكبر سيطرت عليها حين قرأت
اسم صاحبها فهزت هامسة
ممدوح!
تبدلت تعبيراتها المتجهمة وصارت أكثر ارتخاء وسرورا أطلقت تنهيدة بطيئة من صدرها لتهمهم في حبور وقد تألقت في عينيها نظرة متحمسة
ده ذوق خالص
أحست تهاني بالانتشاء والرضا عن حالها وهي تستشعر مدى لهفة الاثنين عليها وتحديدا ذوي السلطة والمال والكلمة المسموعة زاد غرورها بداخلها وإحساسها المنتشي عندما التفتت بتمهل لتجد مهاب واقفا على عتبة الغرفة صدمها رؤيته وتداركت نفسها لتتطلع إليه باستغراب فدنا منها ملقيا عليها التحية
صباح الخير
تقدمت ناحيته بثبات وقالت وهي تضم باقة الورد إلى صدرها عن عمد لتثير اهتمامه
صباح النور يا د مهاب
حدث ما دبرت له لحظتها فسألها وعيناه تطوفان بفضول على ما معها
أخبارك إيه
أجابته بابتسامة رقيقة
الحمدلله
استطرد مشيرا بنظراته للباقة الملفتة
شيك أوي الورد ده
دار في خلدها أن تستغل الأمر لصالحها أن تشعره بالغيرة تستفز مشاعره الذكورية تجاه منافس آخر يحاول كسب ودها ربما قد يحسن ذلك من فرصتها مع أحدهما وإن كانت كفة الميزان ترجح ميلها لجهة مهاب ورغم هذا أبقت الأمر في وضع المساومة حتى اللحظة الأخيرة حافظت على نقاء بسمتها وقالت بدلال خبيث وهي تسبل عينيها
من دكتور ممدوح
مط فمه للحظة وعلق بفتور
حلو
تابعت قائلة بمكر الثعالب
الصراحة ذوقه جميل
هز رأسه مرددا
معاكي حق
مجددا قربت الباقة من أنفها لټشتم رائحة الورود واختلست النظرات إليه فلمحت على وجهه المسترخي القليل من الانزعاج فابتسمت في زهو وقد نجحت خطتها الساذجة لاحظت كذلك نظرته العابرة من فوق كتفها لمن تتواجد معها بالحجرة قبل أن يحيد ببصره عنها مستأذنا بصوت شبه منخفض
ممكن نتكلم برا شوية
أسندت الباقة على مكتبها وهي ترد
أكيد طبعا
تحركت بخفة للخارج لتلحق به لكن دقات قلبها المتحمس راحت تدق في سرعة وجدته ينتظرها على مسافة عدة أمتار فأشار لها بيده لتأتي إليه وبعدها استأنفا المشي معا في الردهة توقف فجأة ليسألها وهو ينظر في عينيها
إيه رأيك لو سافرتي معايا المؤتمر اللي جاي
باغتها بعرضه المغري فزوت ما بين حاجبيها مرددة في استغراب مصډوم
مؤتمر!!!
أخبرها موضحا وكأنه يستحثها على عدم الرفض
أيوه دي فرصة تكتسبي خبرة وتعرفي الجديد في عالم الطب والبحث العلمي
انعكس التردد على تعابيرها وأفصحت عنه عندما تعللت باعتذار لبق
مش هاينفع أنا عندي محاضرات وآ
قاطعها بإصرار وهو يرمقها بنظرة واثقة مملوءة بالغموض المثير
متقلقيش أنا هظبطلك كل حاجة إنتي معاكي مهاب الجندي
عضت على شفتها السفلى في خجل مصطنع وأطرقت رأسها قليلا لتبدو وكأنها تستحي منه فألح عليها بصوته الهادئ
أنا حقيقي نفسي تكوني معايا المرادي
كانت على وشك النطق بشيء لكنه عارضها بقدر من التحكم
مش مسموحلك ترفضي
استلذت طريقته المسيطرة في محاولة جذبها إليه وردت
مبتسمة
حاضر
نظر في ساعة يده وأخبرها
عندي دلوقتي عملية نتقابل بعدين عشان نتكلم في التفاصيل
دون أن تخبت ابتسامتها قالت
ماشي
شيعته بنظراتها اللامعة ولوحت له بيدها وهو ينصرف مبتعدا عنها لترتكن بعدئذ بظهرها للحائط وهي تخاطب نفسها في صوت مهموس حالم للغاية
شكل الدنيا ضحكتلك يا تهاني
مرة أخرى حررت تنهيدة عميقة من صدرها لتردد في نبرة متمنية
بكرة تقولي للفقر والقحط مع السلامة
همت بالعودة إلى حجرتها لكن استوقفتها واحدة لم تتوقع أبدا ظهورها هنا اتسعت عيناها
ابتهال!
وضعت الأخيرة ابتسامة عريضة على وجهها قد تصل من الأذن للأخرى وسألتها وهي
إيه رأيك في المفاجأة دي
في التو تجهمت ملامحها واختفت الإشراقة الناعمة من على محياها كانت متيقنة أنها لن تتركها لحالها
حتما ستغرقها بالأسئلة المتطفلة لتستعلم عما لا يخصها بفضول مثير للحنق سرعان ما تابعت السير بتعجل وهي متلفحة بالصمت لحقتها ابتهال شبه راكضة وهي تصيح مسترسلة في الكلام
أنا خلصت بدري قولت أفوت عليكي أشوف بتعملي إيه!
ثم لكزتها في جانب ذراعها وهي تردد بلؤم
أومال مين الشاب الحليوة ده
توقفت تهاني مرة واحدة بعد جملتها الموحية وحدجتها بنظرة قاسېة محتجة على تصرفها
الغليظ المتدخل في شئونها زفرت الهواء بعمق قبل أن تجيب على سؤالها بآخر مراوغ وبصوتها لمحة استنكار
شاب مين
راحت تصف مظهره الجسماني مستخدمة يديها في التوضيح
أبو شعر مسبسب واللي طوله جايب السقف وكتافه عريضة ده أنا حتى معرفتش أشوفك منه
نفخت عاليا وأجابتها وقد فهمت من تقصد بكلامها المتواري
ده الدكتور مهاب رئيس قسم الجراحة
التمعت عيناها بقدر من الحسد ومالت عليها لتقول بغمزة خاطفة
يا وعدي مسئول القسم بذات نفسه
ثم اعتدلت في وقفتها وصفقت بيديها في غبطة وهي تخبرها
بيضالك في القفص يا توتو!
دفعتها من كتفها لتمر وهي تغمغم في صبر شبه نافد
استغفر الله العظيم بلاش نبر الله يكرمك ده مجرد زميل هتألفي حوار من غير ما يكون في حاجة أصلا!
ضحكت من خلفها وقالت بسماجة
هي بتبدأ بكده
أطبقت على جفنيها للحظة قبل أن تهمس في حنق مزعوج
خلصني يا رب منها
لازمتها ابتهال معظم الوقت محاولة اكتشاف ما تفعله في هذا المشفى الضخم بالإضافة لفرض نفسها على الآخرين وكأنها تعتقد بذلك أنها ذات قدرة فائقة على صنع الصداقات من العدم رغم تحفظ المعظم في التعامل معها
على عكس ما تخيلت صار كل شيء سلسا منظما وبدون أدنى متاعب لتجد نفسها بعد عدة أيام تستقل الطائرة إلى جوار مهاب الجندي تلبية لدعوته المميزة لحضور هذا المؤتمر الطبي المقام في إحدى الدول الأوربية كانت هذه زيارتها الأولى لبلد كهذا فتحمست كثيرا ولم تبخل على نفسها للاستمتاع بأيامها هناك لم ترغب في الظهور بمظهر متدن أمامه فاحتارت وتحيرت فيما تأخذ من ثياب بالكاد اشترت من نفقاتها ما وجدته ملائما بعد جولة في المحال التجارية وفي نفس الوقت يبث الدفء لجسدها تململت في جلستها والتفتت ناظرة إليه عندما سألها في اهتمام
مبسوطة
هزت رأسها مرددة في الحال
أكيد
سألها مرة أخرى باسما
أول مرة ليكي صح
أجابته بإيماءة خفيفة
أيوه
في جرأة مدروسة امتدت يده ليضعها فوق كفها المبسوط على مسند الأريكة ورفعت نظرها لتحدق فيه بفم شبه مفتوح فحافظ على ثبات بسمته المنمقة وهو يخاطبها
ومش هتكون الأخيرة طالما إنتي معايا
لم تعرف بماذا تعلق فكل ما يفعله من تودد مقنع يوحي بانجذابه إليها اكتفت بالابتسام خجل ثم قامت بسحب يدها من أسفله في تحرج لتحدق في النافذة البيضاوية المجاورة لها وهي تشعر بتدافع دقات قلبها التصقت ابتسامة سعيدة للغاية
لم تنجح في إخفائها وكيف لها أن تواري عن فرحة تشعر في أعماقها أنها باتت وشيكة الحدوث
لفحتها برودة غير عادية عندما وطأت قدماها خارج المطار فضمت ياقتي معطفها الأسود ونظرت إلى السماء فكانت ملبدة بالغيوم الرمادية انكمشت على نفسها محاولة مقاومة إحساس البرد الذي تغلل إلى أطرافها وتفشى في جسدها كسرعة البرق أحست تهاني بيد تتلمس ظهرها فانتفضت بقلق ونظرت جانبها لتجد مهاب يخاطبها
العربية واقفة هناك
نظرت إلى حيث أشار بعينه فرأت سيارة ليموزين سوداء اللون تربض بمحاذاة الرصيف يقف أمام بابها الخلفي أحدهم وكأنه في انتظارهما تركته يقودها إليها وهي تسير بتعجل محاولة تصديق أنها حقا ستركب واحدة كتلك استقرت بالمقعد الخلفي إلى جواره وشعرت بشيء من الدفء يتسلل إليها غاصت بالمقعد وتركت شعور الانتشاء يلفها ثم ألقت نظرة مټألمة لما يطوف عليه بصرها عبر النافذة حقا بهر نظرها كل ما تعايشه من فخامة ورقي حتى في الاستقبال والمعاملة شعرت وكأنها ملكة متوجة والخدم يتراصون عند قدميها لتنفيذ كل ما ترغب فيه دون نقاش كم ودت أن تدوم هذه اللحظات إلى الأبد فلا تفيق من حلم الراحة والتدلل مطلقا!
آنئذ طاف ببالها لمحات مقتضبة لواقعها البائس في الحارة الشعبية وما بها من مظاهر بؤس وفقر مدقع بالكاد نفدت بجلدها وطفت على سطح ذلك المستنقع قبل أن تفر منه بأعجوبة آه لو لم تعاند وتتشبث بقرارها بالسفر لربما كانت الآن تجلس عند قدمي ذلك النقاش تدعكهما بالماء والملح! ابتسمت في سخرية مريرة قبل أن تترك ما يزعجها جانبا وتركز كل اهتمامها على ما تنعم به حاليا أحضرها مهاب من شرودها الصامت بكلامه المرتب وهو يرتشف من كأس المشروب الملاصق لجانبه من السيارة
احنا هنروح افتتاحية المؤتمر الأول وبعد كده هنطلع على الفندق نرتاح شوية
بس بعد كده هخدك في جولة بالبلد هنا ممكن تقولي فسحة على مزاجك
بدت سعيدة بهذا الاقتراح وتكلمت في رعشة خفيفة
أنا متخيلتش إن المكان ساقع كده
أخبرها وهو يميل ناحيتها بعدما ترك كأسه في موضعه
أوروبا معروفة بجوها البارد
إنتي بس محتاجة تدفي شوية وأنا عارف حل ده إزاي
ميرسي يا د مهاب حضرتك إنسان قبل ما تكون دكتور
أرادت تذكيره بما هو عليه بالنسبة لها ليستفيق من دوامة الخيالات التي استحوذت عليه جراء ما تجرع لدهشتها لم يتحرك وظل مائلا تجاهها ليخبرها بمكر
بس معاكي بكون حد تاني خالص مختلف عن اللي اتعودت عليه
كلامه المعسول وما على هذه الشاكلة من تنهيدات مفعمة بالأشواق والأمنيات اخترق وجدانها فرجت بشدة أن يحدث المراد وتتخذ علاقتهما إن كانت جادة حقا شكلا رسميا تحفظت في الرد عليه وهي تضع يدها على ياقة معطفها
أنا مش واخدة عليك
ضحك باستمتاع قبل أن يوضح لها
احتجت على تبريره قائلة بشيء من الھجوم
أظنه مايناسبنيش
حافظ على بسمته المتسلية وهو يخبرها
لأنك بس
مش متعودة
زادت من نقدها الحاد له وهي ترد عليه
المفروض حضرتك دكتور مهم رئيس قسم الجراحة ومحتاج تكون مركز إزاي هتقدر تقوم بعملية وإنت يعني مش في وعيك!!
أدار دفة الحديث المهاجم له ووجهها إلى شيء مغاير أراد به أن يصيب هدفه في مقټل دون عناء فسألها بجدية لا تخلو من الابتسام
إنتي خاېفة عليا
تحرجت نسبيا من نظراته وطريقة سؤاله فتنحنحت قبل أن ترد
حاجة زي كده!
ليزيد من حبك حبائله الماكرة عليها أوهمها أنه يخشى من إغضابها فضغط على زر فتح النافذة الملاصقة له لتبصره
أنا حقيقي محظوظ إن بقى في حياتي واحدة زيك تهتم بيا عادة محدش بيقولي لأ أو حتى بيفكر يعارضني
عاد شعورها بالنشوة يغمرها من رأسها لأخمص قدميها انطلت عليه خدعته وظنت أنها ذات تأثير قوي عليه فقالت بثقة مغترة
ده لأنهم مش أنا
قال مؤكدا لها بنظرة عميقة
إنتي فعلا مختلفة
تباطأت سرعة السيارة فالتفتت لناحيتها لتمعن النظر خارج النافذة رأت إحدى واجهات الفنادق العريقة تحجب السماء عنها فتساءلت باهتمام
هو احنا وصلنا
قال وهو يستعد للنزول من السيارة
أيوه يالا بينا
تبعته بعينيها المتشوقتين وهو يترجل قبلها ليقوم أحدهم باستقباله في حفاوة وكأن نجما لامعا قد جاء في زيارة رسمية إلى هنا ليسرع بعدئذ أحد العاملين بهذا الفندق لفتح بابها حتى تهبط هي الأخرى تضاعف شعورها المستمتع بما يقدمه الحظ لها في غفلة من الزمن تعهدت لنفسها بعزيمة وهي تنتصب بكتفيها في كبرياء ورفعة ونظراتها تصبو إلى ما هو أبعد
بكرة أخليه يتغير ويعمل اللي أنا عاوزاه !!
يتبع الفصل السادس
الفصل السادس
الاشتياق المر
فرغ المصلون من أداء صلاة العصر ليجتمعوا بعدئذ في الخلفية على شكل حلقات دائرية ليحيطوا بأحدهم وعلى وجوههم ابتسامات سعيدة ومبتهجة فاليوم هو موعد عقد قران بدري على من اختارها لتكون شريكته في الحياة تأنق الأخير في ثياب جديدة تمثلت في سروال من القماش ذي اللون الرمادي ومن فوقه وضع قميصا أبيض اللون جلس القرفصاء بجوار المأذون ومن خلفه جثا عوض على ركبتيه واستند بيده على كتفه ليدعمه قبل أن يستطرد متحدثا
ربنا يجعلها جوازة الهنا عليك
رد باسما
يا رب
بدأت المراسم بعد قراءة الفاتحة والابتهال للمولى عز وجل بينما انتظرت النساء في المصلى الخاص بالسيدات يترقبن بحماس وتلهف إتمام العقد على خير كانت فردوس قد ارتدت وعريضة تغاضت عن النظرات غير المريحة من والدة عريسها وحادت ببصرها عنها لتركز في الأرابسك الخشبي الفاصل بين جزء الرجال ومصلى السيدات محاولة رؤية ما يحدث عبر الفتحات الصغيرة الضيقة التفتت ناظرة إلى أمها عندما مالت عليها لتخاطبها في أذنها بشيء من الحزن
مش كنا عرفنا أختك
تأملتها بنظرات شبه مغتاظة وردت بلا أدنى ذرة تعاطف
هي يعني كانت اتصلت ولا سألت من ساعة آخر مرة!!
أصرت عقيلة على إيجاد المبررات لجفاء ابنتها المتواصل فقالت
أهوو كنا بعتنا ليها جواب على الأقل بدل ما تبقى آخر من يعلم بجوازك
صدقيني
ربنا يردك يا بنتي بالسلامة
حادت فردوس ببصرها عن أمها وتطلعت إلى خشب الأرابسك لتردد بسخط في غير صوت
اللي زي تهاني مصدق إنه نفذ بجلده من هنا تقوليلي تفتكرنا!!
ما إن ولجت لداخل استقبال الفندق الفخم حتى انبهرت نظراتها بما أبصرته في البهو الفسيح وراحت تستكشف بعينين فضوليتين ما يحيط بها من لوحات إبداعية وتصاميم مميزة وديكورات زاخرة كل ما حولها أشار إلى الرقي والثراء الفاحش سارت تهاني على بلاط أملس ويلمع كالزجاج فخشيت أن يخدشه كعب حذائها لذا كانت تتحرس كثيرل في مشيها وتحاول أن تبدو خفيفة الخطى رأت كيف يتعامل كل من يقابل مهاب بوقار وتقدير وكأنه أحد أهم النزلاء هنا وضعت على وجهها ابتسامة صغيرة ناعمة ونظرت إليه بنظرة حالمة كم تمنت حقا أن تظل هكذا ملتصقة به فتعامل كالملكات دوما!
اصطحبهما أحد العاملين بالفندق عبر الردهة إلى القاعة المقام بها المؤتمر وهناك رأت ما فاق مخيلتها من تجهيزات عالية منصة كبيرة في المقدمة مزدانة بمفرش أبيض اللون بالإضافة لطاولات مستديرة وضع فوقها باقات ورد بيضاء اللون بداخل مزهريات زجاجية رفيعة كما رص على الأسطح الأطباق الفارغة عند
رأس كل مقعد والكؤوس وأطباق المقبلات لحظتها جال ببالها ما اعتادت على حضوره من مؤتمرات عادية في قاعات خانقة تعج بأشخاص غرباء غير مهتمين بمظهرهم الخارجي وهم إما ما بين مدخن وبين متعرق فكانت لا تطيق البقاء أو الانتظار لأكثر من نصف ساعة كانت المقارنة غير عادلة بالمرة فشتان الفارق بين المكانين
أحست بيد مهاب تتلمس ظهرها من جديد فنظرت إليه
وهي ترفرف بجفنيها لتجده يشير لها بعينيه ليتجها إلى حيث الطاولة المخصصة لهما كانت في المقدمة تقريبا وقبل أن تجلس سحب المقعد في لطافة لتشكره بتهذيب وتستقر عليه أجلت أحبال صوتها واستطردت في تحمس وهي تتجول بعينيها على الحضور المتناثر هنا وهناك
أنا أول مرة أحضر حاجة بالشكل ده!
رمقها بنظرة طويلة تحوي شيئا غامضا وهو يخبرها مؤكدا من جديد عليها
ومش هتكون الأخيرة
حاولت ألا تبدو متلهفة لمشاركته حياة الترف وتساءلت عن طبيعة الأجواء فاستفاض موضحا
الفاعليات هنا مفيدة وفي مجلات علمية ونشرات بتصدر عن أحدث حاجة موجودة دلوقتي في تخصصات الطب المختلفة
في استحسان مهتم هزت رأسها معلقة
كويس جدا
اقترب أحد الندلاء من الطاولة حاملا في يده زجاجة من الشمبانيا الفاخرة قام بنزع غطائها وأفرغ القليل
في كأس مهاب بينما أشارت له تهاني بالتوقف قبل أن يقترب من كأسها ليضعها بعدئذ في دلو معدني صغير تساءل في وقار
سيدي هل أحضر لكما شيئا آخرا
حرك مهاب رأسه بالنفي فانصرف منتقلا لطاولة أخرى ليقوم بخدمتها في حين تهيأت تهاني لاستئناف الحديث معه لكن جاءت إحدى السيدات إليهما وهي تتساءل في صوت مرتفع مفعم بالحرارة
د مهاب أهذا أنت
افترت شفتاها عن دهشة مستنكرة فالمرأة كانت ترتدي ثوبا من اللون الأسود ذي حملات رفيعة على الكتفين بالكاد يصلح للارتداء
جاء رده على نفس الدرجة من التقارب الودي الشديد
وأنا مثلك
كم اشتقت لك!
حمحم مرددا بعد نحنحة سريعة مصحوبة بنظرة خاطفة تجاه تهاني
أشكرك
هل ستبقى جميع أيام المؤتمر أم أنك ستحضر الافتتاح فقط
قال بعد صمت لحظي
لا أعلم بالضبط
أحس بلهيب الشوق يندفع مع نبرتها فعقب بهدوء وعيناه تمنحاها وعدا صامتا بإمكانية حدوث ما ترجوه
بالطبع عزيزتي ديبرا
استأذنت بالذهاب بعدما تذكرت أن تلقي التحية على تهاني كنوع من اللباقة المصطنعة كانت الأخيرة في أوج ضيقها كزت على محاولة كبت ما ينتابها من مشاعر ربما يمكن تصنيفها بالغيرة النسائية لكنها لم تعترف بهذا لنفسها وضعتها في خانقة الانزعاج من التجاهل والمعاملة ببرود بالكاد ألصقت بثغرها بسمة متكلفة واستطردت تتحدث عندما عاود الجلوس مجاورا لها
لطيفة أوي
راح يخبرها بأريحية رغم ملاحظته لأمارات التجهم المنتشرة في وجهها
ديبرا زميلة قديمة ليا أعرفها بقالي كتير جدا بجد كانت مفاجأة حلوة إني أشوفها من تاني
قالت كنوع من المجاملة الزائفة
ده واضح
ثم سألته في نبرة شبه تحقيقية
بس شكل طريقتكم سوا بتقول إنكم قريبين من بعض! صح ولا أنا غلطانة في تخميني
أفهمها ببساطة ممزوجة بالاستفزاز
الناس هنا أساليبهم مختلفة في التعبير عن مشاعرهم ممكن احنا بطباعنا الشرقية نبقى متحفظين على شكل الطريقة المتجاوزة شوية بس هما بيعتبروا أسلوبنا لو مش زيهم نوع من الرجعية والتخلف فمتستغربيش لما تلاقيهم بيتعاملوا بودية زيادة
هي دي ودية دي ناقص تنام معاك!!
استرخى أكثر في جلوسه وقال
المهم أنا في النهاية تبقى علاقتي كويسة بالكل
تظاهرت بالابتسام وهي ترد
تمام مافيش مشكلة
ثم أولته ظهرها وادعت انتباهها الكامل لمن صعد على المنصة فقالت بملامح جادة للغاية
شكل المؤتمر هيبدأ خلينا نركز فيه أحسن
أمسك بكأس مشروبه ليرتشف منه القليل معلقا
اللي يريحك
وقف كلاهما أمام باب المسجد الأمامي يستقبلان المباركات بابتهاج وابتسام كان النصيب الأكبر في التهنئة ل فردوس فالنساء أحطن بها من كل جانب لمشاركتها فرحتها وراحت الزغاريد تصدح في الأرجاء قبل أن يقوم أحدهم بتوزيع الشربات على المتواجدين تقدم عوض لتهنئة العروس قائلا برأس خفيض
ألف مبروك وعقبال الليلة الكبيرة
ردت بتعابير تعبر عن فرحة حقيقية
كتر خيرك وربنا يرزقك إنت كمان بواحدة كويسة
تسلميلي يا خالتي
ربتت على جانب ذراعها واستحثتها
شدي حيلك بقى وشوفي اللي ناقص عاوزين جوازتك تتم على طول
أطرقت رأسها في حياء خجل وردت
وقت ما سي بدري يقول
ما إن سمع الأخير اسمه يردد حتى دنا منهما متسائلا
في مزاح
خير بتجيبوا في سيرتي ولا إيه
بلا تردد أخبرته أفكار في رنة حماسة تغلف نبرتها
عاوزين نشوفكم ياخويا على فرشة واحدة قريب
تبسم معقبا
إن شاءالله يا خالة
أطلقت ضحكة مرحة قبل أن تميل بوجهها ناحيته لتهمس له في عبثية وكأنها تحفز فيه مشاعره كرجل للظفر بليال ملاح مع عروسه
تحرج من تجرؤها وقال وهو يخفض رأسه
ربنا ييسر
كبيركم شهر يا ابني معنداش حد يطول عن كده في كتب الكتاب
تدخلت والدة العريس قائلة بجدية وهي تقوس فمها في شيء من التبرم
هو هيروح منها فين يعني ما هي اتكتبت على اسمه خلاص!
ردت عليها أفكار بتعبيرات بشوشة غير مكترثة بتجهمها
ربنا يصلح حالهم سوا ويبعد عنهم أي شړ
نظرت لها بتأفف قبل أن توجه كلامها لابنها صائحة بتذمر
مش كفاية واقفة يا ابني في الطل أنا رجلي مابقتش شيلاني
هز رأسه هاتفا
حاضر يامه
ثم أشار لزوجته لتتحرك معه مردفا
بينا يا فردوس
قبل أن تعلق الأخيرة ذراعها في ساعد زوجها لكزتها والدته دافعة إياها للخلف وهدرت في احتجاج ناقم
ياختي متسربعة على إيه اسندني أنا يا بدري بقولك مش قادرة أقف على حيلي
نظرت لها فردوس مذهولة وبشفتين منفرجتين فلم تعبأ بها حماتها ووكزتها مرة أخرى لتبعدها عن محيطها قائلة بنوع من الإهانة وبصوت مرتفع ولافت للأنظار أيضا
حاسبي شوية مايتبقيش لازقة زي البق كده!!!
تجمدت في مكانها مصډومة مما حدث بشكل فج تسبب في إحراجها أمام الحاضرين خاصة
تعالي يا دوسة متزعليش نفسك
سرعان ما ترقرقت الدموع في عينيها تأثرا بهذه الحدية الغريبة فحاولت خالتها تهوين الأمر بإخبارها في صوت خفيض وقد تأبطت ذراعها
تعلقت أنظار فردوس بظهر زوجها ورأت كيف يشارك والدته الضحك والهزار وكأنه تناسى أمر إحزانها تماما مما جعل صدرها يوغر بالضيق والهم شدت أفكار من قبضتها على ذراعها المتعلقة به وواصلت كلامها المحفز إليها
اضحكي وافرسيها يا بت ماتخليهاش تغلبك بعمايلها المفقوسة دي
سحبت فردوس نفسا عميقا لتثبط به نوبة البكاء الوشيكة التي تهدد بمهاجمتها وردت بصوت مخټنق
طيب
تصنعت الضحك رغم الحزن الذي يعبئ صدرها وراحت ترفع من صوتها بالتدريج لتغطي على ألمها المعنوي قاصدة أن تلفت
انتباه والدة زوجها بالتحديد لتشعرها بأنها لم تحقق غرضها بمضايقتها معتقدة بذلك أنها نالت انتقامها من فظاظتها غير المقبولة!
فاقت كامل توقعاته حين اعتقد أنها مجرد امرأة عادية لا تفرق عن غيرها في شيء بل على العكس أغريت سريعا ببريق امتلاك المال ووهج تأثيره الخطېر على النفس لكن اليوم تفاجأ بها كواحدة أخرى لأول مرة يعرفها فخلال فاعليات المؤتمر راحت تناقش برزانة وثقة ما يتم تداوله بإسهاب لتصبح محط الأنظار من الجميع حتى أنها دفعت المحاضر الرئيسي لتقديم شكر خاص لها كتعبير عن تقديره الشخصي لحماسها المتقد استدارت تهاني ناظرة إلى مهاب بقدر من الغرور فبادلها نظرة إعجاب صريحة قبل أن يخبرها مبتسما
إنتي الصراحة أبهرتيني بذكائك
اكتفت بالابتسام في زهو فأشار لها بيده لتسير معه خارج القاعة وهو يستأنف حديثه إليها
خسارة إن واحدة زيك مش متقدرة في بلدنا
زفرت الهواء
عشان كده كان نفسي أسافر وأثبت نفسي في مكان يستحقني
كتمت شهقة خاڤتة أحست بنبضها يتسارع وبخفقات متلاحقة في صدرها نظرت إليه عن قرب وهو يشملها بعينيه
متقلقيش كل أحلامك معايا هتتحقق
لطمت بشرتها سخونة أنفاسه وهو يكمل بهمس خطېر
أنا موجود عشانك
طب تعالي
تعقد جبينها للحظة حين تساءلت مستغربة
هو احنا مش رايحين مطعم الفندق ده
قال نافيا وابتسامة عذبة تشكلت على فاهه
لأ في مكان تاني هوديكي عنده
استدار مهاب كليا تجاهها وسألها في توجس وهو يمد يده لإسنادها
إنتي كويسة
اعتدلت في وقفتها وخفضت ذراعها ثم ردت وهي تحاول تحرير كعب حذائها العالق دون أن تنحني
أيوه
انقلبت تعبيراتها للضيق الحرج حينما رأت ما حل بحذائها انحنت لتلتقط الجزء المفصول والعالق بالفجوة الصغيرة لتقول في خجل
ده الكعب اتكسر أنا أسفة جدا
اندهش من اعتذارها الغريب معقبا
الموضوع مش مستاهل عادي بتحصل
طأطأت رأسها في حرج متزايد وقالت وهي تنزع الحذاء عن قدمها
أنا مكسوفة من حضرتك جدا
اضطرت تهاني أن تثني ساقها بعدما لسعت البرودة القارصة باطن قدمها وأضافت وهي تشير ناحية مدخل الفندق
أنا هرجع الفندق تاني وأحاول أشوف حل للمشكلة دي حضرتك تقدر تروح المطعم اللي إنت عاوزه متعطلش نفسك عشاني
اعترض عليها بصوت وملامح هادئة
إنتي هتفضلي معايا دي مشكلة بسيطة وحلها موجود
ظلت على نظرتها المتحيرة فوجدته يدنو منها قبل أن ينحني ليحملها بين ذراعيه في خفة لتشهق مصډومة من تصرفه المفاجئ لها سرعان ما تدفقت الډماء الحارة في شرايينها لتغزو وجهها مؤكدة على شعورها بالحرج والذهول في التو استنكرت ما فعلته وحاولت حثه على إفلاتها
مايصحش يا د مهاب الناس تقول علينا إيه!!
أخبرها بجرأة صاډمة
لها وبما جعل قلبها يقصف كذلك
أنا لو بوستك حتى محدش ليه الحق يعترض!
هتفت محتجة بارتباك عظيم وقد استندت بكفيها على صدره
لأ أرجوك
منحها هذه الابتسامة الماكرة وهو يخاطبها
متقلقيش مش هعمل حاجة ڠصب عنك إنتي غير أي واحدة
لاذت بالصمت وتجنبت النظر إلى عينيه نهائيا وهو يسير حاملا إياها تجاه السيارة لكنها لن تنكر أنها استمتعت رغم توترها بهذا الشعور الجارف لكل ما هو عقلاني!
بابتسامة صغيرة وملامح وديعة وقفت على عتبة الحمام تنتظر انتهائه من غسل يديه لتعطيه المنشفة القطنية النظيفة ليجففهما بها بعدما تناول الطعام
في بيتها تلبية لدعوة أمها حينما انقضى عقد القران سحبها بدري من يدها بخشونة ونشف كفيه ليعيدها إليها دون أن ينبس بكلمة شكر حتى ثم تجاوزها في عبوس باعث على الاسترابة ليعود إلى الصالة لحقت به فردوس والحيرة تسبقها ازدردت ريقها وجلست إلى جواره واضعة أمامه كوب الشاي الساخن اعتدلت في جلستها متسائلة بتوجس قلق وهي تناظره من موضعها
أجابها بصيغة تساؤلية مليئة بالاتهام
عجبك المرقعة اللي إنتي كنتي فيها دي
بهتت تعابيرها خوفا من غضبته الظاهرة وراحت تعتصر ذهنها لتتذكر كيف ومتى أحرجته وتسببت في مضايقته حينما عجزت سألته بصوت شبه مرتعش
مرقعة إيه لا سمح الله
أجابها بنفس الصوت اللائم وشبه المنفعل رغم خفوته
الضحك والكركرة اللي كانوا في الشارع قصاد الناس خلاص فشتك عايمة على الآخر!
تذكرت ما اقترحته عليها خالتها لرد الصاع صاعين لحماتها اللئيمة حين أفسدت عليها فرحتها وكيف انتهى بها المطاف الآن في وضع الاتهام لا التودد والتدليل حاولت التبرير له فأفهمته بتلعثم
دي خالتي كانت قالتلي إن آ
لم يمهلها الفرصة للتوضيح وقاطعها بصوت حاسم وملامح صارمة
بصي يا بنت الناس لا خالتي قالت ولا خالتك عادت أنا مش جاي أتجوز عشان أجيب لنفسي ۏجع الدماغ
انقبض قلبها توجسا وأحست بطعم المرارة يملأ حلقها فتابع
على نفس النهج القاسې
أنا عاوز اللي تريحني مش ناقص هم وقرف
في التو أبدت ندمها قائلة دون تفكير
حقك عليا
سكت ولم يقل شيئا فاستأنفت بحذر وهي تقاوم زحف الدموع إلى مقلتيها
بس إنت برضوه زعلتني لما سبتني وروحت مع أمك وكأني مش مراتك!!
هتف في صوت محموم
هو احنا لحقنا!!
برقت عيناها ارتياعا وراح الفزع يتولاها من كل جانب كأن هناك هجوما ضاريا على أعصابها دفعة واحدة عندما صاح في عتاب حانق
ما إنتي شوفتي بنفسك إنها مش قادرة تقف عاوزاني أعمل إيه وهي ست كبيرة أقف اتفرج عليها لحد ما تقع من طولها
انحشر صوتها وهي ترد بنبرة مهتزة
لأ بس آ
مرة ثانية قاطعها رافعا يده أمام وجهها ليهددها
من غير بسبسة اللي حصل حصل خلاص من هنا ورايح تاخدي بالك من تصرفاتك سامعة وإلا هتلاقي الرد مايعجبكيش!!
تحول نظرها عنه وراحت تلوم نفسها بشدة لأنها انساقت وراء خالتها ولم تضع في الحسبان أنها بذلك تحزن زوجها ودت لو عاد بها الزمن للوراء واكتفت بالسير صامتة لربما آنئذ نالت رضائه وكلمة حنونة منه!
كانت تشعر بنوع من الغنج والدلال وهي تنتقي بين ماركات الأحذية ما يناسب مقاس قدميها بدت وكأنها في عالم من سحر الموضة المشوق لحظات لا تعوض عاشت كل ثانية فيها بنشوة عارمة دارت حول نفسها وهي لا تصدق حقا أنها ترتاد أحد أهم متاجر بيع الأحذية بعد حين من التجارب وجدت واحدة ملائمة لها رغم تحيرها في حسم اختياراتها فكل ما وقعت عليه عينيها كان رائعا للغاية تجولت في تبختر أمام ناظري مهاب وهو جالس على الأريكة ثم رفعت قدمها قليلا عن الأرضية لتبرز شكل الحذاء في قدمها وهي تهتف بابتسامة لهفى
تحفة أوي ومريحة جدا
قال وهو يبادلها الابتسام الهادئ
المهم إنها عجبتك
بعدئذ أشار للعاملة في المتجر لتأتي له بالفاتورة فاستجابت له في التو انتظرت تهاني ذهابها وتقدمت ناحيته ثم جلست على حافة الأريكة الوثيرة وراحت تتحسس ملمس الجلد الثمين بيدها لترفع نظرها إليه مضيفة بقليل من الحرج
بصراحة دي أول مرة ألبس حاجة زي كده في حياتي
للحظة تحسرت على حياتها البائسة التي جعلتها محرومة تقريبا من رفاهية الدنيا ومتعها المغرية قامت واقفة وتابعت وهي تتطلع إليه بتعبير واجم لتقنعه بأنها غير راضية عن هذا الموقف المخجل بتاتا
بس أكيد غالية وصعب إني آ
قاطعها قبل أن تتم جملتها قائلا وقد فهم ما ترمي إليه
ماتغلاش عليكي
حفظا لماء الوجه حاولت أن تقول بعزة نفس
أنا هرد لحضرتك تمنها
نهض
قائما ودنا منها مرددا في عتاب رقيق
عيب الكلام ده يا دكتورة دي هدية بسيطة مني ليكي وهي مش من مقامك أصلا
أصرت على رأيها هاتفة
بس كده كتير وآ
وإيه يعني دي مش هتكون آخر مرة أهاديكي بحاجة
لاحظت تحول نظراته عنها وأتبعها ذلك قوله المريب
لحظة واحدة!
ده كمان هيبقى شكله تحفة عليكي
إنتي جميلة أوي
د مهاب! من فضلك!
هو المطعم
قريب من هنا
دس يده في جيب بنطاله وأجاب
أيوه
أبقت على ابتسامتها الرقيقة وهي تسأله
طب مش هنروح ولا إيه
أشار لها بيده الأخرى الطليقة لتخرج قائلا
اتفضلي
هزت رأسها مرددة بإيجاز دون أن تخبت بسمتها
شكرا
ما زالت لمعة الانبهار تحتل نظراتها كلما زارت مكانا جديدا أو استمتعت بشيء لم تجربه سابقا تذوقت تهاني أشهى أنواع الطعام واستطابت ما تناولته من وجبة مميزة بهذا المطعم الراقي لم تشعر بالوقت يمضي وهي بصحبة مضيفها بل إنها استأنست كثيرا بوجوده وشعرت بتناغم غير طبيعي معه ورغم تحفظها الواضح على معاقرته للشراب إلا أنها لم تظهر اعتراضا متحيزا ضده على الأقل ريثما تتوطد علاقتهما بشكل أقوى أو أن تتخذ طابعا رسميا وإلا لضاعت جهودها سدى
أمام ردهة باب غرفتها بالفندق وقفت تصافحه وهي تبدي عرفانها بما قدمه لها طوال اليوم
ميرسي على اليوم الظريف ده أنا مكونتش متخيلة إني هستمتع كده
ده بس لأنك موجودة معايا
ونفسي تفضلي كده
تجاوزت عن ندائها المستجدي لعقلانيته
شبه المغيبة اضطرت أن تلجأ للجفاء معه لئلا ټندم لاحقا على تراخيها لذا جاء في باقي جملتها قدرا من الټهديد عندما تابعت
أبعد رأسه عنها ونظر إليها بغموض مريب دون أن ينطق بكلمة ومع ذلك تمسكت بصمودها وإن كان مهددا للخروج من جنة دنياه الثرية بكل ما تشتهيه النفس دفعت للخلف قائلة بصوت جامد
تصبح على خير
تراجع مسافة متر ملوحا لها بيده قبل أن يرد بهدوء غريب
وإنتي من أهله!
لم تنظر تجاهه وأسرعت بفتح الباب لتدلف إلى الداخل وهي بالكاد تحاول السيطرة على رعشة أطرافها أوصدته مستندة بظهرها عليه محاولة استعادة انضباط حالها المتخبط حذرت نفسها بصوت العقل
اجمدي كده يا تهاني لو خدك للسكة دي هتبقي خسړتي كل حاجة قبل ما تملكيها من الأساس!
سحبت نفسا عميقا لتعيد الهدوء إلى أوصالها ثم تابعت مع نفسها وكأنها تعطيها تحذيرا شديد اللهجة
لم يطرأ على بالها العشق أو حتى اشتهاء متعته الشقية إلا حينما أصبحت تحت وطأة ضغوطات راحت تكرر على مسامعها نفس العبارات المحذرة لتردع ما يناوش مشاعرها كأنثى من تقارب
قالت ديبرا بهذه العبارة المندهشة وهي تستقبل في غرفتها بالفندق ضيفها
يسألها ليتأكد ألا تفتقدين تقاربنا
أطلقت ضحكة ماجنة وتقلبت على
جانبها لتبدو أكثر إغواء وهي تخبره بعد لحظة من الصمت
ممم حسنا أنا أعطيك الأفضلية عن ممدوح في إيقاظ مشاعر الحب بي
على حين غرة تحول لقطعة من الجليد بعد