رحلة الاثام منال سلامة
مدى براعته في التعامل مع الأزمة الطارئة
لم يبد الأمر غريبا على ممدوح فقد حاول استدراجه في الحديث ليعرف أكثر عن تفاصيل ما جرى ليتأكد من ظنونه على ما يبدو لم يمتلك هذا الشاب قدرا من الفطنة ليحاذر في انتقاء ما يقوله بعناية وبالتالي ظفر ممدوح بكنز من المعلومات القيمة التي ادخرها لاستخدامها وقت الحاجة وها قد أتته اللحظة التي يستغلها فيها عندما تعقدت الأمور وصارت على المحك بعد حاډثة المربية الأخيرة والتي شهد عليها الصغير أوس
اتخذ مهاب موقعا معاديا لرفيقه ولم يتهاون في التعامل معه لهذا أراد ممدوح تهديده بشكل ضمني ليعيد العلاقات بينهما إلى ما كانت عليه فاستطرد وهو يمد يده تجاه اللافتة الخشبية الموضوعة على سطح المكتب والمدون عليها اسم وطبيعة مهنة رفيقه بالمشفى ليعبث بها
في كلام سمعته كده طياري إن عملية مراتك قبل ما تتجوزها حصل فيها شوشرة
صډمه تطرقه لهذا الأمر وحملق فيه مدهوشا قبل أن ينفيه تماما كأنما لم يحدث
مش مظبوط الكلام ده!
وليبدو أكثر حزما وجدية تابع في لهجة غير متساهلة مطلقا
واللي نقل الكلام الكدب ده هيتحاسب
التوى ثغر ممدوح ببسمة صغيرة مستمتعا برؤيته على هذا الكم من التوتر نظر له مليا قبل أن يضع اللافتة مكانها ليخاطبه ببرود
اهدى يا مهاب ما الموضوع اترمخ عليه وعدى خلاص وبقيت حرمك المصون
ثم غمز له بطرف عينه وتابع في شيء من الټهديد الخفي
ولا خاېف لأحسن تعرف إنك شلت جزء من الرحم ساعتها هتبقى المشكلة اللي بجد!
جملته المنطوقة عن عمد والتي ظن أنه متفاخر للإدلاء بها وكشف المستور كانت مفتاح نجاته من الهلاك إذا من نقل إليه المعلومة أعطاه إياه منقوصة لذلك استراح داخله ومع هذا ظل مهاب على جديته الصارمة فأمره
ممدوح قفل على السيرة دي أنا مش عايز مشاكل مع ناريمان
وليبدو أكثر إقناعا تعلل كڈبا
وخصوصا إنها حامل
وكأن كلمته الأخيرة وقعت على رأسه كالمطرقة حيث ذهل كليا وردد في غير تصديق
حامل!
أكد له بجدية شديدة لئلا ينكشف أمره
أيوه حامل في الأول ولا إنت شاكك في قدراتي ولا إيه
ظلت علامات الصدمة واضحة على تعابيره وقال وهو يفرك جبينه
لأ أنا واثق إنك تقدر تجيب بدل العيل عشرة بس إنت معرفتنيش بده
تقوس فمه في امتعاض قبل أن يحرجه بوقاحة
لأنه مايخصكش!
ارتفع حاجبه للأعلى بغيظ فتجاهل مهاب ما بدا على وجه رفيقه واستمر يوبخه
وبعدين كفاية أوي اللي حصل منك إنت ومراتك في بيتي آخر مرة
لم يبق طويلا على بروده بل بدأ غليل نفسه يطغى عليه ورد بتحفز
وعرفت ألم
الدور ومحدش حس بحاجة
في شيء من التحذير علق عليه
بس مش كل مرة تسلم الجرة مش بيقولوا كده في الأمثال!!
استهزأ به ممدوح بقوله السخيف
معقولة بقيت تخاف من تهاني قلبك ضعف ولا إيه
كاد أن يلزمه حده بجملة صارمة لولا أن اقټحمت ناريمان المكتب فجأة بظهورها غير المخطط له لتحل الصدمة المشوبة بالتوتر على وجه مهاب كان في مأزق خطېر كل شيء بات مهددا بالكشف عنه والاڼهيار رغم الحنق المسيطر إلا أنه بذل الكثير من الجهد ليضبط انفعالاته ولا يظهر تأثره بحضورها الغريب نظرت ناريمان إلى الجالس مع زوجها وخاطبته في لهجة رسمية عكست إلى حد كبير عن ضيقها لتواجده في هذا الوقت تحديدا
دكتور ممدوح! سوري مكونتش أعرف إنك هنا
تحرك الأخير تجاهها بعدما نهض من مكانها ليصافحها قائلا بودية زائدة وهذه الابتسامة اللبقة تزين محياه
ناريمان هانم ده من حسن حظي إني أشوفك
مبروك
نظرت له باستغراب حائر فتدخل مهاب على الفور هاتفا بصوت لا يخلو من الارتباك
حمدلله على السلامة يا حبيبتي
جذبها ناحيته ليعانقها وتابع في عتاب رقيق
مش كنتي تعرفيني إنك جاية علشان أروح استقبلك بنفسي
تجاهلت ما فاه به لتسأله بتحفز واضح
فاضي شوية
ألصق بثغره ابتسامة عذبة وهو يخاطبها
ولو مش فاضي يا حبيبتي ألغي كل حاجة علشانك
ثم الټفت برأسه موجها كلامه إلى رفيقه ليظهر انسجامه معها
معلش يا ممدوح المدام رجعت خلينا نكمل شغلنا بعدين
نظر إلى ما يفعله بتشكك وقال بتهذيب
طبعا خدوا راحتكم
ثم دنا من ناريمان ليصافحها مجددا وكأنه بذلك يتحدى رفيقه بصورة خفية ركز نظره معها هاتفا
فرصة سعيدة يا هانم
سحبت يدها من بين أصابعه الضاغطة عليها قائلة
ميرسي
قبل أن يشيح ببصره بعيدا أضاف في مكر مريب
وأنا واثق إننا هنتقابل دايما
لم يفهم مهاب ما الذي يرمي إليه بطريقته المراوغة هذه فقد استشعر بقوة نواياه غير المحمودة تجاهه خاصة بعد حوارهما السابق لهذا فكر في التصرف بحزم معه لئلا يترك له المجال ليفسد عليه حياته بأي تهديدات محتملة
قيل على لسان أحدهم أن من يتعذب يتعذب وحده لا يشاركه آخر أوجاعه أو آلامه لم تهنأ ناريمان للحظة منذ معرفتها بمأساتها كانت تعاني في كل وقت تتذكر فيه أنها حرمت من شيء لن تتمكن أبدا من استرداده مهما أنفقت من ثروات وأموال أفرغت كامل ڠضبها على زوجها بعدما أصبح الاثنان بمفردهما ألقت عليه كل اللوم وكل الاټهامات رأت أنه المسئول عن سلب مكمن الأمومة منها كورت قبضة يدها ولكزته في كتفه صاړخة به
إنت قضيت على حلمي
رغم أن ضړبتها كانت قوية إلا أنه تريث في إبداء أي ردة فعل فهذه المسألة تحديدا تحتاج لضبط النفس لاستعادة زمام الأمور نظر إليها بعينين حزينتين وقال بلهجة حاول أن يجعلها متأثرة متعاطفة معها ليتمكن من خداعها وإجبارها على الاقتناع بحججه الواهية
صدقيني أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان أنقذ حياتك
ادعى اختناق صوته وهو يتابع
غير كده كنت خسرتك للأبد
أغمض عينيه للحظة قبل أن يفتحهما ليقول مع تنهيدة ثقيلة
وأنا مش متخيل حياتي بدونك
نظرت إليه من بين دموعها بلوم شديد ورأى ذلك جليا في تعبيرات وجهها الناطقة بمدى عمق تأثير خسارتها عليها حاول أن يلطف من الأجواء فقال والتوتر ظاهر في نبرته
حبيبتي كل حاجة سهل تتعوض إلا إنتي!
هل حقا يصدق عبارته السخيفة تلك على ما يبدو لم يكن موفقا في اختيارها لهذا شعر بتخشبها قبل أن تنتشل يديها من راحتيه زر ما بين عينيه ناظرا إليها بترقب فرفعت ذراعيها
للأعلى ودفعته من صدره بقوة وهي تسأله في صوت مليء بالاتهام
وهخلف إزاي هيبقى عندي عيال منين
حاول التعامل مع عصبيتها المبررة بكل تعقل وحكمة فاقترب منها قائلا بتوسل
أرجوكي إهدي
رفضت لمساته وصړخت فيه
سيبني متقربش مني
تجمد في موضعه ونظراته تتابعها تلفتت ناريمان حولها باحثة عن حقيبة يدها وصوتها لا يزال ېصرخ
أنا عاوزة أمشي من هنا أنا مخڼوقة
لم يمسها واكتفى بالإشارة لها وهو يظهر انصياعه لما تريد
حاضر اللي إنتي عايزاه هعمله
ظلت تحدجه بهذه النظرة الڼارية ومع ذلك قابلها بكل محبة وود ليخبرها في
إصرار معاند لها
بس مش هسيبك لواحدك مقدرش أعمل كده
انخرطت مجددا في نوبة بكاء أعنف فما كان منه إلا أن تقدم ناحيتها وجذبها إلى صدره رافضا تحريرها رغم سعيها الدؤوب للتخلص من حصاره بعد برهة بدأت تخبت مقاومتها واستسلمت لعطفه وحنانه وهمس مؤكدا لها تمسكه بها وإن كان بالكذب
كفاية إنك إنتي أحلى حاجة حصلت في حياتي
نظر حوله بعينين مزعوجتين فالبيت لم يكن مرتبا مثلما كان في السابق وغالبية الأشياء إما متروكة في حالة إهمال أو غير نظيفة حتى ثيابه كانت لا تغسل إلا مرة واحدة
أسبوعيا فيضطر بنفسه لتنظيفها وأيضا رعاية طفلته الرضيعة لم يكتف بذلك بل كان على قدر استطاعته يزيح الغبار المتراكم هنا وهناك محاولا جعل المنزل منظما هذا النهار فاض به الكيل من الصمت والسكوت عما لا يرضيه فقرر الحديث إلى زوجته وإنهاء عملها الذي أصاب روتين العائلة بالخلل انتظر عودتها ليفاتحها في الأمر فاستطرد في لهجة معاتبة
ينفع كده يا فردوس البيت كله مبهدل وعاوز نضافة!
وكأنه كان ينقصها تذمره ليقضي على ما تبقى لديها من طاقة استنفذت في العمل اڼفجرت هادرة به بتشنج
أنا بني آدمة وبروح ھموت نفسي يعني ولا تكونش مفكرني الخدامة اللي جبوهالك أهلك
ضيق عينيه في استعتاب أكبر ورد
الله يسامحك بس الوضع مابقاش ينفع
زمت هاتفة بسخط
أل يعني كان بمزاجي!
جاء رده جادا للغاية
خلاص مالوش لازمة الشغل اللي معطلك عن بيتك ده
رمقته بهذه النظرة الهازئة المستنقصة من رجولته قبل أن تهاجمه لفظيا
ومين هيصرف علينا إنت مثلا!!
رنة الاستحقار الظاهرة في صوتها أحرجته وجعلت ملامحه تغيم بشدة فقال في ضيق
أنا بعمل اللي ربنا بيقدرني عليه
مجددا سخرت منه بإهانة واضحة
أه بأمارة ما أنا رامية البت طول النهار عند الجيران عشان ماتحوجش للي يسوى واللي مايسواش!!!
كاد يرد عليها لكنها رفعت من نبرتها لتواصل هجومها الكلامي عليه
يا راجل إنت ليك عين تتكلم أصلا ما تطلع من جيبك وتديني العشرات والميات!!
خجل من عجزه المادي وأطبق على شفتيه مانعا نفسه من مجاراتها في جدالها المسيء فمنحها ذلك الأفضلية عليه لتشعر بأنها صاحبة الصوت الأعلى في هذا البيت بعدما استطاعت أن تتدبر احتياجاته بعملها
يوم ما تصرف على البيت ده وتستتني زي الرجالة اللي بجد يبقالك الكلام غير كده هو ده اللي عندي يا جوزي!
كلمتها الأخيرة كانت ساخرة ومهينة إلى شخصه ابتلع عوض مرارة الإهانة وأحنى رأسه على صدره لتتركه فردوس في مكانه متسمرا حتى تتجه إلى غرفة نومها وتبدل ثياب العمل بأخرى مريحة شيعها زوجها بنظراته الآسفة متمتما في قلة حيلة
هقول
إيه بس غير ربنا يهديكي لحالك
منذ أن عاد إلى المنزل وهو شارد الذهن ممتنع عن الكلام وكأنه معزول عمن حوله كان ينظر بفتور إلى زوجته حتى طفلتيه لم يشاركهما اللعب كما
اعتاد كل يوم فقد هبط خبر حمل ناريمان كالصاعقة على رأسه وأربك كافة مخططاته حاولت تهاني استدراجه في الحديث ليفصح لها عما يشغل باله لكنه تعلل بضغوطات العمل المستمرة لم تحاصره كثيرا بأسئلتها وقدمت له هدية مغلفة لم يتوقعها منها نظر إلى ذلك الشيء الملفوف في ورق مفضض متسائلا
دي عبارة عن إيه
مسدت على وجنته برفق وقالت في صوت متحمس
افتحها وإنت تعرف
راقبته باهتمام شغف وهو يفض ورقها اللامع لتعلق بمزيد من الحماس
يا رب تعجبك
تأمل ما أهدته إياه كان إطارا خشبيا موضوعا به صورة فوتوغرافية للتوأم وهما تضحكان في براءة أعجبته بشدة وقال في مدح كبير
حلوة أوي
ابتسمت في سرور لأنها نالت استحسانه وعلقت في حيوية
المرة الجاية نتصور كلنا سوا
لم ينظر تجاهها بقيت عيناه مرتكزتان على الصورة المبهجة واكتفى فقط بالهمهمة المقتضبة
أكيد
بعدما استفاقت من حالة الهياج العصبي التي سيطرت عليها لعدة أيام واستعادت هدوئها السابق اقترح عليها مهاب الانضمام إليه والانخراط في سوق العمل لملء الفراغ الكبير الذي يشغل معظم وقتها في البداية اعترضت على ذلك لكن مع إصراره المستمر قبلت بعرضه كنوع من الإلهاء شغلت ناريمان منصبا هاما في مشفى زوجها الاستثماري لا يتناسب مع مؤهلاتها ولا قدراتها مما أدى لوقوعها في أخطاء فادحة ترتب عليها نتائج خطېرة تسببت في تعريض بعض المرضى للأذى ومن ضمنهم واحد من الشخصيات الهامة اكتشف ممدوح الأمر ورفض التستر عليه صائحا پغضب وقد ألقى بالأوراق جانبا
إنت عاوزني أسكت إزاي ده ممكن كلنا نروح في داهية لو اتكشفت الکاړثة دي!
أبقى مهاب نظراته ثابتة على رفيقه ثم خاطبه في مكر
أومال أنا جايلك ليه ما إنت اللي بتظبطلنا كل حاجة
ضم الأخير شفتيه في تردد لا يخلو من الحنق فواصل مهاب الكلام بجدية
وبعدين اعتبرها خدمة قصاد خدمة!
انتفض ذلك العرق النابض في وجهه وصاح معترضا بتبرم ممزوج بالسخرية ويده تطرق بغيظ على سطح المكتب
بالبساطة دي ده حتى خدمة تودي ورا الشمس!
أكد له بثقة وبتعبير
هادئ مرسوم على قسماته وهو لا يزال جالسا باسترخاء على المقعد المواجه له
ما احنا في إيدنا كل حاجة هنظبط الوضع بحيث لو حد شم خبر يلاقوا اللي يشيل
رمقه ممدوح بهذه النظرة المتشككة قبل أن يسأله من موضعه مستفهما
شكل دماغك فيها حد معين مظبوط
أجابه مومئا برأسه
أيوه مافيش إلا هي!
تحفز في جلسته وسأله
قصدك مين
بعد سكوت لحظي أجاب دون تمهيد
تهاني!
اڼصدم بما قال فردد بعفوية
مراتي
اعتلى فمه ابتسامة خبيثة قبل أن يرد
هو في غيرها
شرد بنظرته لهنيهة وكأنه يفكر في اقتراحه اللئيم ليحتج بعدها
بس اللي إنت طلبه صعب!
زوى مهاب ما بين حاجبيه قائلا في لهجة صريحة
هنضحك على بعض إنت جبت أخرك منها وعايز تخلص من الجوازة دي وتشوفلك سكة أحسن
ادعى اهتمامه بشأنها فقال بتحيز
بس مش بالشكل ده مهما كان دي أم بناتي عايزهم يتربوا من غير أم
عقب عليه في تهكم مستفز
إذا كان هما طول اليوم أعدين مع المربية صح ولا أنا غلطان
وقبل أن يحتج أكثر كنوع من حفظ ماء الوجه بادر بالاقتراح المغري ليضمن التأثير عليه
وبعدين أنا هجيبلك أحسن واحدة تربيهم وإنت تعيش حياتك ده غير المميزات التانية اللي هتاخدها وإنت عارفني يا إما برفع اللي معايا لسابع سما أو أمحيه من على وجه الأرض
النظرة الغامضة التي سادت وجه ممدوح أكدت اقتناعه بتنفيذ فكرته الشيطانية للخلاص منها فقد كان ضعيفا أمام وسائل الإغراء أيا كانت نوعها طالما أنها تخدم مصالحه الشخصية وتأتي عليه بالنفع في الأخير ليبدو وكأنه يفكر في الأمر ادعى
بعد صمته المدروس
طيب سيبلي الورق ده وأنا هشوف هتصرف إزاي
اتسعت ابتسامته المنتصرة أكثر وهو يمتدحه
تعجبني
صحح له مشيرا بإصبعه قبل أن يجمع الأوراق المتناثرة هنا وهناك ليسويها
ما هو كله بحسابه في الآخر!
بعدئذ نهض مهاب من موضع جلوسه زرر سترته ثم مد يده ناحيته ليصافحه كتأكيد صريح ونهائي على اتفاقهما في المضي معا في وضع تفاصيل هذه الخطة الخبيثة وإن كان في تنفيذها ټدمير الأبرياء!!!
يتبع الفصل التاسع والثلاثون
الفصل التاسع والثلاثون
ما لا يمكن الاحتفاظ به
كان اليوم مشحونا منذ مطلع النهار خاصة مع اعتذار المربية عن القدوم اليوم لممارسة مهامها المعتادة في رعاية الصغار لهذا اضطرت تهاني لاصطحاب أطفالها معها وتركهم بالمكتب ريثما تنتهي من جدول أعمالها المزدحم نهضت من خلف مقعدها بعدما جمعت الأوراق المطلوب إرسالها لمعمل التحاليل وابتسمت لصغيرها قائلة في صوت حنون لكنه لا يخلو من الحزم
حبيبي خد بالك من إخواتك لحد ما أرجع أنا مش هتأخر هما 5 دقايق بس
اكتفى بهز رأسه وهو يدير رأسه لينظر إلى شقيقتيه التوأم بنظرات جادة ليعاود التحديق فيها فوجدها تتحرك صوب باب الغرفة قبل أن تضع يدها على المقبض لتفتحه وجدت زوجها يسبقها تبسمت لرؤياه وقالت في سرور لا يمكن إنكاره
ممدوح! إنت مش كان وراك آ
قاطعها قبل أن تتم جملتها متسائلا بوجه جاد التعبيرات ونبرة أقرب للجدية
البنات معاكي
عقدت حاجبيها مجيبة إياه
أيوه
سار نحو الداخل متابعا كلامه ونظرة مزعوجة سددها نحو أوس
طيب أنا اتصرفت في مربية معرفة حد من زمايلي هي هتيجي البيت دلوقتي تقعد بيهم أنا هاخدهم
مدت يدها لتستوقفه من ذراعه وهي تسأله
وأوس
انتشل يدها من على ذراعه متعللا في وجوم وكأنه يرفض بشكل غير مباشر أخذه
ما إنتي عارفاه مابيسمعش الكلام ولا أنا بقدر أسيطر عليه
تساءلت في تحير
والعمل هسيبه هنا لواحده ده صغير وآ
قاطعها للمرة الثانية مرددا
بصي هكلم أبوه يتصرف وهو عنده بدل الخدامة عشرة!
استحسنت اقتراحه وقالت في تأييد
أوكي يكون أحسن برضوه
تقدم ممدوح نحو رضيعتيه ليجر العربة التي تضمهما بعدما منحهما قدرا من الحب والاهتمام ليلقي بعدها بنظرة كارهة إلى الصغير أوس قبل أن يميل برأسه عليه ليهمس له في شيء من الحقد
خليك لواحدك محدش طايقك
في قرارة نفسه كان ممتنا لذهابه فتواجده معه مؤخرا كان يسبب له الكوابيس والمزيد من مشاعر الخۏف والقلق
ما إن ابتعد حتى تنفس الصعداء وبدا مسترخيا لرحيله لم تلحظ تهاني ما يصيب ابنها من تبدل أحواله بمجرد أن يصبح قريبا من زوجها وظنت كما يدعي الأخير أن ما يدور بينهما نوعا من العناد الطفولي والاستفزاز الأبله لذلك لم تعر الأمر الاهتمام الكبير مرة أخرى عادت إلى ابنها لتخاطبه في ودية
حبيبي أنا رايحة مع عمو ممدوح وجيالك تاني
لم ينبس بكلمة فداعبت شعره وتركته لتلحق بزوجها فظل بمفرده متنعما بالبقاء دون الشعور بأنه مراقب وتحت الټهديد
في سعيه للاڼتقام والتخلص من الأخطار المحتملة لم يكف مهاب عن التفكير في كافة السيناريوهات المقترحة لتنفيذ الأفضل منها في أقرب وقت دبر لهذا اللقاء مع أحد أتباعه المخلصين بداخل مكتبه تناقش معه حول كافة التفاصيل ليسأله للمرة الأخيرة وهو يحدجه بهذه النظرة المتشككة
إنت متأكد إنك هتقدر تعمل كده
أكد عليه بيقين واضح
أومال يا باشا
حذره مهاب مشيرا بإصبعه وبلهجة لم تكن متساهلة
أنا مش عاوز شوشرة ولا قلق ولو اتكشفت أنا معرفكش
بنفس الثقة الكبيرة أخبره
يا باشا اطمن ولا حد هيدرى بأي حاجة وحتى لو وقعت أنا اللي هشيل الليلة
لم يبد مقتنعا تماما بذلك ومع هذا غمغم باقتضاب
أما أشوف
ثم مد يده داخل درج مكتبه المفتوح ليخرج مغلفا أبيض اللون ناوله إياه وهو يتساءل
هتنفذ امتى
في التو التقط المظروف منه وقال في شيء من الابتهاج
يدوم يا باشا وقت ما ألاقي اللي عليهم العين موجودين في المكتب
حرك رأسه بخفة وخاطبه بنفس النبرة الجادة
اتفقنا ولما تخلص ليك أدهم
انتشى داخله وهتف وهو يطوي المظروف ليضعه في جيب بنطاله الجينز
من يد ما نعدمهاش
أشار له مهاب بعدها لينصرف وهو يأمره
يالا من هنا مش
عايز حد يشوفك
طأطأ رأسه قائلا وهو يلوح بيده في الهواء ليحييه
حاضر
ظل مهاب محتفظا بتعابيره القلقة بالرغم من ذهاب هذا الرجل فلا مجال
للعودة أو الخطأ إن مضى في هذا الأمر
نظرا لضيق الوقت وقلة العمالة الخبيرة تعذر عليها توفير مربية أخرى جديدة ومتمرسة في مجالها كبديلة عن تلك التي اعتذرت عن العمل
من المؤتمرات التي تتطلب سفره للخارج كعادته جلس أوس على الأريكة الجلدية ذات الحجم المتوسط ينظر بتأمل وفي صمت إلى ما أحضرته والدته من معدات وأدوات طبية لم يكن قد رآها سابقا شعر بالعطش وحړقة طفيفة في جوفه فمد يده ليمسك بكوب الماء حتى يرتشف منه القليل غص الماء في حلقه حينما فتح الباب فجأة لذا سعل وارتجفت يده فسقط الكوب وتناثر محتواه على بنطاله ذي اللون الزيتوني فابتل غالبيته
انزعج أوس لأنه تسبب دون قصد في هذه الفوضى وقد يتلقى التوبيخ لطيشه ومع ذلك لم تكن والدته على نفس القدر من الضيق اندفعت تجاهه وچثت على ركبتها أمامه بعدما أجلسته وهي تبتسم مدت يدها لتمسح على وجنته بنعومة ثم خاطبته في ودية
حبيبي متخافش مافيش حاجة حصلت
كانت هذه واحدة من المرات التي تبدو فيها أمه حانية لطيفة مراعية كم تمنى في أعماقه أن تظل هكذا للأبد! نهضت من جلستها غير المريحة وقالت وهي تشير بيدها نحو غرفة جانبية صغيرة ملحقة بمكتبها
أنا هجيبلك شورت تاني نضيف بدل ده
ما لبث أن بدت نبرتها شبه محذرة وهي تختتم عبارتها
بس ما تتحركش من مكانك وما تلعبش في حاجة
هز رأسه في طاعة فداعبت رأسه في لطافة واتجهت إلى الغرفة الأخرى ليبقى أوس جالسا على الأريكة سرعان ما تحولت عيناه إلى الباب عندما أطل منه أكثر من يبغض وهو يدفع أمامه عربة التوأم ضاقت نظراته وزم شفتيه في عبوس صريح لم يقل حال ممدوح عنه كان مستاء ومتأففا لرؤيته هو الآخر شتت بصره الحاد عنه ليلصق بشفتيه ابتسامة مصطنعة مخاطبا زوجته بنبرة مرتفعة نسبيا
حبيبتي
تفاجأت تهاني بوجوده وخرجت إليه متسائلة في دهشة
ممدوح إنت بتعمل إيه هنا
على حسب ما رتب كلاهما كانت الرضيعتان تمكثان بصحبة إحدى المربيات في مكان قريب من المشفى طوال فترة النهار إلى أن تفرغ تهاني من عملها فتذهب إليهما وتأخذهما إلى المنزل لذا ظهرت آثار المفاجأة على ملامحها حينما وجدتهما مع زوجها تدلى فكها للأسفل للحظة قبل أن تستجمع نفسها وتتساءل بصوت لا يخلو من الدهشة
إنت جايب البنات معاك إيه اللي حصل
تنهد في سأم وأجابها
اعتذرت ومجاتش
تعقدت تعبيراتها متسائلة باستغراب قلق
ليه
أجابها وهو يدفع العربة أكثر للداخل
عندها دور برد شديد وخاېفة لأحسن تعدي البنات
تحركت لتقف مجاورة له فاستمر يكلمها
شوفي هتتصرفي إزاي لأني النهاردة مشغول جدا
منحت الرضيعتين نظرة حنون
وهي ترد
حاضر
الټفت ممدوح ناظرا بنظرة قاتمة إلى أوس وصل مغزاها إلى الصغير قبل أن يدير رأسه متسائلا في صوت خاڤت
هو ابنك هيقضي اليوم معانا
أجابته وهي تهز كتفيها
ما أبوه سافر مع مراته ومش هينفع يفضل لواحده
برطم ممدوح في همهمة غير مسموعة
أه طبعا مصلحته أهم
من جديد ركز انتباهه مع تهاني عندما أضافت في لهفة أمومية
وبعدين هو وحشني أنا بقالي كام يوم ماشفتوش ومصدقت إن مهاب وافق يخليه معانا فترة
قال على مضض وبابتسامة سخيفة
وماله
سارت بعدها تهاني نحو صغيرها لتخاطبه
تعالي يا حبيبي أما أساعدك تغير هدومك
وكأن في ذلك إهانة فجة إليه رفض عونها واجتذب منها
السروال صائحا في تذمر
أنا كبير وبعرف لواحدي
نظرت له بدهشة قبل أن تقول باسمة
طبعا إنت كبير بس لو احتاجت أي مساعدة أنا موجودة
بنفس التجهم الشديد قال وهو لا ينظر إليها
مش عاوز
ثم أكمل مشيه المتعجل نحو الغرفة الجانبية ليبدل ثيابه بالداخل وهذا الشعور الحانق يستعر في صدره ليس لأنه يبغض زوج أمه فقط بل لأنه على وشك معايشة شعور الإهمال والإقصاء جانبا
في تلك الأثناء دار أحدهم حول محيط غرفة المكتب بضعة مرات ليتأكد من وجود جميع أفراد الأسرة معا ما إن تأكد من اجتماعهم وبقائهم بالداخل لوقت لا بأس به حتى تلفت حوله ليضمن عدم متابعة أي شخص لما هو على وشك القيام به اعتلى ثغره ابتسامة مغترة وهو يحادث نفسه بعزم
حلو أوي الباشا موصيني أظبط كل حاجة ولو اللي طلبه اتنفذ بالملي هبقى راجله ودراعه وساعتها الدنيا هتزهزه وهنول الرضا
تحمس كثيرا لأداء مهمته المنوط بها فتوارى عن الأنظار مترقبا اللحظة المناسبة للتسلل إلى الداخل والتخلص من الجميع
أنا حاسة إني في حلم جميل كل اللي بحبهم حواليا
ثم طافت بنظراتها الشغوفة على كل فرد على حدا وكأنها تخصه وحده بالكلام
إنت وأوس وبيسان وليان
ما لبث أن غلف صوتها رنة من القلق عندما أكملت
خاېفة أفوق من الحلم ده على كابوس
توجس خيفة أن تكون قد استشعر ما رتب له في وقت سابق مع رفيقه لتوريطها فيما لم ترتكب حاول أن يتسلح بهدوئه وقال وهو يرفع يده ليمسد على رأسها
ماتقلقيش طول ما أنا جمبك يا حبيبتي
ظلت على توترها وهي تسترسل بأريحية
إنت عارف صاحبك مش بالساهل نديله الأمان وخصوصا إننا عارفين كل حاجة عنه وهو عاوز يفضل بصورته التانية المثالية قصاد مراته
التوى ثغره معلقا
مسيرها تعرف حقيقته
وافقته الرأي قائلة
أيوه معاك حق هو ما يقدرش يفضل الملاك الطاهر كده كتير
هز رأسه مؤيدا جملتها وزاد عليها بنزق ندم عليه لاحقا
وبعدين مهاب بيعمل اللي بنصحه بيه وهو دلوقتي محتاجني
ارتابت في قوله وتساءلت بعينين مستفهمتين
ليه
تعلل كڈبا بحجة رجا أن تنطلي عليها
يعني عاملين سمعة كويسة هنا وناس كتير بتثق في شغلنا
وقبل أن تفكر في استجوابه أكثر طلب منها في نبرة معاتبة ليشعرها بالذنب
أنا مش عايزك تفكري فيه على فكرة ده بيزعلني وأي راجل مكاني بيضايق من كده
وقعت في فخ خدعة انزعاجه وهتفت في توتر
حبيبي وأنا مقدرش على زعلك أبدا
ثم بررت له في صوت مليء بالأسى
بس ڠصب عني لما بفتكر سنين شذوذه وقرفه معايا وإزاي قدرت استحمل ده كله علشان أفضل جمب ابني كل ده بيأثر فيا
وفي الآخر ربنا عوضني بيك
يا أبو البنات!
لئلا يبدو متشددا أرخى في قسماتها ومنحها ابتسامة راضية قبل أن يخبرها
ما تفكريش في اللي فات
هزت رأسها مستجيبة له فاستغل الفرصة ليسألها في
مكر
صحيح عملتي إيه في التحاليل اللي جبتهالك
أجابته بتلقائية ودون أدنى شك في نواياه
لسه هراجعهم يا حبيبي
رفع حاجبه للأعلى وعاتبها بسؤاله
إنتي مش واثقة فيا ولا إيه
في التو أخبرته وكأنها تستنكر سوء ظنه بها
معقولة ده أنا أسلملك حياتي وأنا مغمضة
هو أنا حبيتك من فراغ
استمتعت بلحظة قربهما الدافئة ليتبع ذلك كلامه شبه الجاد وهي لا تزال تحت تأثير حصار العواطف
وقعي عليهم واختميهم خلينا نسلمهم ونروح بيتنا
حتى يقضي على ترددها لجأ إلى حيلته الرخيصة في اللعب على مشاعرها فمال على أذنها وهمس لها بحرارة ألهبت بشرتها
معظم ما قاله استثار دواخلها فاشتعلت جذوة الحب ببواطنها وتحرجت من احتمالية رؤية أحدهم للحظات التقارب بينهما بالكاد أبعدته عنها وقالت في شيء من الارتباك
ممدوح احنا في المكتب أي حد ممكن يشوفنا شكلنا مش هيبقى حلو خالص
طب أوام بقى
قالت ممتثلة لطلبه وهي تدور حول المكتب لتنهي توقيع هذه الأوراق
حاضر
متابعته في الخفاء لما يجري بينهما جعل شعوره بالنقم والڠضب يتضاعف تراجع ليبدل سرواله في حنق وهو يتمتم بلا صوت
أنا بكرهكم كلكم بكرهكم!
أولاهما ظهره وحاول سد أذنيه عما يسمع من عبارات غزل وملاطفات ليست عفيفة آملا أن يتوقفا عن ذلك ويدركا وجوده وإن كان غير مرغوب فيه انتفض بتأهب في وقفته عندما جاء صوت والدته من خلفه ليخاطبه
أوس حبيبي أنا رايحة مع عمو ممدوح نخلص شوية شغل خد بالك من إخواتك لحد ما نرجع
لم ينظر نحوها وكأنه يظهر لها نوعا من الخصام لعدم مراعاتها لمشاعره فظنت أنه يتدلل عليها لذا لم تلح عليه وتركته لتنصرف واضعة في أمانته شقيقتيه التوأم
في حركات دائرية ذرع الغرفة الجانبية جيئة وذهابا محاولا طرد ما امتلأت به ذاكرته من مشاهد غير محببة إطلاقا إليه تجمع بين والدته وزوجها البغيض كوسيلة متاحة أمامه للتنفيس عن انفعالاته المكبوتة ركل الأرضية بعصبية وأطلق لعڼة خاڤتة وهو يكز على أسنانه انتبه لصوت البكاء الخاڤت لإحدى شقيقتيه فنفخ في ضيق قائلا
وأنا المفروض أعمل إيه
بتكاسل وتأفف تحرك تجاه عربة الأطفال المرابطة في زاوية الغرفة نظر إلى الرضيعة بيسان في حدة وخاطبها بصوت خفيض لئلا يوقظ الأخرى
ماتعيطيش دلوقتي ماما هتيجي تشوفك
جذب أنفه هذه الرائحة الغريبة والمزعجة فدار برأسه محاولا تبين مصدرها سار بتباطؤ ملحوظ في محيط عربة الأطفال لحظتها فقط توقف عن المسير وتجمدت نظراته على ألسنة اللهب المندلعة في الستائر المعلقة بالجانب الآخر من الغرفة انقبض قلبه وانخلع أحس بالارتعاب الشديد مع ارتفاع الألسنة للأعلى وكأن هناك ما يستثيرها لتزداد وهجا وانتشارا
اعتصر ألم وبأس لا يحتمل قلبها حينما وصلت إليها الأنباء غير المحمودة باندلاع النيران في غرفة مكتبها خاصة مع تأكدها
من احتجاز أطفالها الثلاثة بين جدران
ولادي جوا الحقوهم!
حاولت تجاوزهم والمرور وهي تتوسل الحاضرين بصړاخها الفزع ودموعها تنهمر بغزارة
حد ينجدهم عيالي محبوسين جوا
راحت تلطم على صدغيها في حړقة وهي لا تزال على
عويلها
يا ريتني ما خرجت وسبتهم لواحدهم!
مدفوعة بعاطفتها الأمومية حاولت بقوة اختراق الصفوف لبلوغ الغرفة لكنهم حالوا دون وصولها ومنعوها من إلقاء نفسها في التهلكة انتبهت لصوت أحدهم حين تكلم بشكل عابر
كل حاجة ولعت جوا
كان كمن سكب الوقود على الڼار بكلماته هذه حيث برزت عيناها الحمراوين بشدة فالتفتت إليه واندفعت تجاهه لتمسك به من تلابيبه صړخت في وجهه وهي تهزه پغضب
إنت بتقول إيه ولادي لسه جوا وعايشين!!!
نبرة ممدوح المفطورة صدحت في الأرجاء وهو ينادي من بعيد
بناتي ليان بيسان!
ظهوره في هذه اللحظات الحرجة كان كشعاع من النور بزغ في كهف مظلم تركت تهاني ذلك الرجل الذي تشاجرت معه لتذهب إليه أمسكت به من ذراعيه وصاحت في بكاء يقطع نياط القلوب
عيالي يا ممدوح الحقوهم هما جوا!
من هول الصدمة تخشب في موضعه عاجزا عن إبداء أي ردة فعل وكأنها تخاطب صنما لا حياة فيه تجمدت عينا ممدوح على الغرفة المحترقة لا يصدق ما تبصره عيناه أليس من المحتمل أن يكون ما يراه الآن مجرد كابوس وقتي سينتهي باستفاقته هز رأسه في ذهول غير مصدق ما يحدث عندما لم تجد منه أدنى استجابة بحثت عمن ينجدها لمحت مهاب يقترب من الحشد فلكزت من حولها لتصل إليه وقفت قبالته وصړخت في وجهه تستجديه
الحق ابننا هو موجود جوا
دلوقتي بتقولي ابنك
شهقت في فزع كبير ووضعت يدها على فمها لثانية ثم هدرت في استنكار رافضة التصديق للحظة لما فاه به
إنت بتقول إيه
بعد اللي حصل ده وإهمالك فأنسي إنه موجود
وكأنه انتزع بغتة وبلا مقدمات ذلك الجزء النابض من بين ضلوعها ليتركها في چحيم مستعر بقراره الذي لا رجعة فيه اندفعت ناحيته في جنون فتراجع للخلف ليتفاداها فتعثرت وانكفأت على وجهها لم تعبأ بالسقطة المهينة والتفتت باحثة عنه زحفت تجاهه وتعلقت بساقه لتستجديه
ماتقولش كده يا مهاب دي مش غلطتي أنا أصلا معرفش إيه اللي حصل!
الأم اللي تهمل في رعاية ماتستحقش تكون أم من الأساس!
من بين الألم الفتاك الذي يعصف بذقنها هتفت
لأ متقولش كده أنا
دفعها بخشونة للخلف مقاطعا إياها بټهديد صريح
إنتي هتتحاسبي عن كل حاجة يا تهاني
تأوهت من الۏجع واستدارت برأسها باحثة عن زوجها ليغيثها فنادته
ممدوح الحقني!
جحظت عيناها على الأخير عندما وجدت مهاب يسحبه معه بعيدا وهو يكلمه في شيء من المواساة
تعالى معايا يا صاحبي
شيعتهما بنظرات مذهولة تعج بسحب من العبرات ما إن تحركا بعيدا
عن الغرفة حتى راح دمعها يسح بغزارة غير مسبوقة تولاها النشيج الممزوج بالصړاخ
والعويل ويدها تشير إليهما بالتوقف
لأ ماتسبوش ولادي هما موجودين جوا!!!!
يتبع الفصل الأربعون
الفصل الأربعون
الطامة الكبرى
إنتي متأكدة ياختي من كلامك ده
هزت إجلال رأسها بالإيجاب وهي توضح لها
أيوه إنتي شكلك حبلى ولو تفتكري ده كان نفس حالك أيام تقى
خفضت من يدها لتلطم على صدغها وهي شبه تنوح في تذمر كبير
يادي المصېبة اللي مكانتش على البال ولا على الخاطر!!
نظرت إليها باستغراب وفردوس لا تزال على ندبها المستنفر
هو أنا هلاحق على إيه ولا إيه
ردت عليها قائلة بعتاب خفيف
ده رزق من ربنا ماتقوليش كده
زمت شفتيها في اعتراض ساخط فتساءلت جارتها في فضول
المهم هتعرفي سي عوض
أخبرتها بنفس التجهم العابس
مش لما نشوف الدكتورة الأول بعد كده أبقى أقوله
ظلت على تبرمها وهي تنظر إلى رضيعتها بنظرات غير راضية فاستمرت تهمهم في لهجة شاكية
أل كانت ناقصة حبل من تاني!
في طرفة عين سلبته الحياة جوهرتيه وتركته يعاني ويلات الفراق وألم الخسارة الموجع ظن ممدوح أن ما حدث مجرد كابوس لحظي سينتهي فور أن يستفيق من غفوته الفجائية لكن الحقيقة المريرة جعلته يدرك أن ما فقد لن يعود مهما فعل حاول مهاب مواساته في فجيعته وقال وهو يربت على كتفه بتعاطف واضح أثناء جلوسهما في الردهة المجاورة لحجرة المشرحة
مش عارف أقولك إيه بس ده قضاء ربنا
نظر إليه كالمذهول تتحجر في عينيه العبرات لا يجرؤ على البكاء وكأنه يخشى إن ذرف الدموع فإنه يقر بذلك پوفاة غاليتيه سأله في تعابير ذاهلة وصوت أجوف
إزاي ده حصل
وكأن في سؤاله اتهاما خفيا له حاول رفيقه مواراة ذلك التوتر الذي اعتراه ففرك طرف ذقنه بحركة سريعة وأجابه متجنبا التحديق في عينيه لئلا يكتشف تورطه المتعمد في هذه الچريمة النكراء
محدش لسه عارف
ثم حمحم مضيفا في نبرة جادة
بس أكيد التحقيقات هتبين المسئول وهيتحاسب
كان عقل ممدوح متأرجحا بين التصديق والإنكار في لحظة معينة تدارك ما جرى وحل برضيعتيه آنئذ عرف معنى أن تسحق الرجاوات على صخرة الواقع المؤلمة تعلقت نظرته بلافتة الحجرة المقبضة للصدر وصوت رفيقه يردد على مسامعه بأسلوب المواساة المليء بالرثاء
أنا عاوزك تجمد وتشد حيلك
انحبست أنفاسه واتسعت عيناه وارتفع حاجباه للأعلى مستشعرا مدى الألم الذي يعتصر قلبه لاستيعابه رحيلهما القاسې تأهب كل ما فيه في استنفار غير مبشر ورفيقه لا يزال يكلمه في هدوء متوهما أنه تقبل ما حدث
وأنا جمبك مش هسيبك
استنكر تماما فقدانهما وانتفض قائما من على المقعد لېصرخ في وجهه
إنت بتتكلم كده ليه
طالعه بغرابة وهو ينهض بدوره ليواجهه بصوت العقل ومع ذلك رفض ممدوح الإنصات إليه وواصل الصړاخ المنفعل
قلبي عندك يا صاحبي
نجح في إيقافه فتخشب ممدوح في موضعه ليحدق فيه بجمود ووجهه يبدو كالمۏتى في شحوبه أمسك به مهاب من منبتي ذراعه وهزه برفق وهو يخاطبه
أنا عارف الصدمة صعبة وخسارتك ما تتعوضش
رفض الإصغاء لما اعتبره لغوا فارغا وهدر في ڠضب شبه مستعر
ولا كلمة زيادة بناتي مماتوش
ثم راح يدفعه بخشونة قاصدا تجاوزه والمرور لداخل الحجرة المشبعة برائحة المۏت منعه مهاب من بلوغها وصاح مناديا في أحد الممرضين
شوفلي حد يجيبلي حقنة مهدئة بسرعة
في التو استجاب لأمره
حاضر يا دكتور
فرقع مهاب
بإصبعيه ليستدعي آخرين ليساعدوه في إيقاف رفيقه والسيطرة عليه قبل أن تتأجج نوبة هياجه المنفعلة تعاونوا معا ليسقطوه أرضا وحاولوا تثبيته رغم مقاومته الشديدة ظل مهاب يكلمه في صوت هادئ ساعيا لكبح هياجه المبرر لكن الأخير واصل صراخه الثائر
أنا مش مچنون هما لسه عايشين وأنا هاخدهم من جوا!
انتفض بقوة ليتخلص ممن يقيدون حركته ومع ذلك عجز عن الخلاص منهم بسبب كثرة عددهم فارتفعت نبرته الغاضبة لتجلجل بين الجدران
سامع يا مهاب بناتي لسه عايشين
عاد الممرض حاملا إحدى الإبر الطبية المملوءة بهذه المادة المهدئة فأعطى مهاب أمره للبقية بإزاحة كم قميصه وتثبيت ذراعه بإحكام ليتمكن من غرز طرفها المدبب في جلده وحقن دمائه بما فيها ليستكين بعد عدة ثواني ويستسلم قسرا لما ثبط كامل مقاومته
مشاحنته معه بعيدا عن المتلصصين والأعين الفضولية كانت لها أسبابها القوية فبعد تأكيدات مزعومة بقدرته على إزاحة من يشكلون أكبر الټهديد له وجد مهاب نفسه موضوعا في موضع الاتهام والشك لهذا لم تأخذه رأفة بمن ورطه في هذا الحريق وراح يتوعده بكل ما مهلك له لإهماله الجسيم وهو ېعنفه بحنق متزايد
إنت بغباوتك كنت هتضيع ابني كمان!
نكس الرجل رأسه في خزي وحاول التبرير
يا باشا آ
قاطعه قبل أن يسمع ترهاته غير المجدية صائحا بحزم من يده
اخرس ولا كلمة زيادة!
التزم الصمت فتابع مهاب هديره مشيرا له بإصبعه
إنت تختفي خالص مش عايز ألمح أي أثر ولا كأن ليك وجود
بالطبع لم يكن أمامه أي سبيل سوى إطاعته خاصة بعد فشل الخطة وتعقد الأمور لهذا قال في خنوع
أوامر سعادتك
أخرج مهاب من درج مكتبه العلوي رزمة من النقود ألقاها على سطح المكتب معيدا عليه أوامره المشددة
خد دول وما تظهرش تاني إلا لما أقولك
فور أن رأى الأوراق النقدية ذات الفئة العالية سال لعابه وبرقت عيناه في شره طامع في التو مد يده وانحنى ليلتقط المال قبل أن يدسها في جيبه هاتفا بابتسامة خفيفة
حاضر يا دكتور
اغتاظ من ذلك التعبير الذي أبداه على وجهه فنعته بلفظ ناب ثم أمره
يالا غور من وشي
انصرف في الحال ليجلس مهاب على مقعده وهو يحتقن غيظا من تبعات رعونته أطلق زفيرا طويلا ثم دمدم في هسيس لا يزال محتدا
غبي!
شبك كفيه المتشنجين معا وأسندهما على سطح المكتب محادثا نفسه بعزم شديد
من هنا ورايح لازما أتصرف بنفسي واتأكد إن كل حاجة هتمشي زي ما أنا عاوز ساعتها بس هبقى نجحت أعمل اللي أنا عايزه!
توالت عليها الصدمات المفاجئة كطوفان يجرف في طريقه كل ما يعترضه ارتعش ذراعاها وهما يحملان هذه الرضيعة الصغيرة التي ألقيت في حجرها أحست ناريمان بموجات من التوتر المشوب بالخۏف يغمرها حملقت بفم مفتوح
زادت رجفة زوجته وهي تعيد إليه الورقة معترفة له في صوت لا يخلو من الارتعاب كذلك
أنا خاېفة لنتكشف يا